يومٌ واحد في التقويم الهجري، ولكنه يحمل في طياته آلاف القصص والعبر، ويثير مشاعر تتجاوز حدود الجغرافيا والزمان. إنه العاشر من محرم؛ يومٌ ليس ككل الأيام، فقد شهد فصولاً من التضحية والفداء رسمت خطوطاً عريضة في تاريخ الأمة الإسلامية. في هذا اليوم، تتجدد ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، حفيد الرسول الأعظم، في ملحمة كربلاء الخالدة.
تتجاوز ذاكرة الأيام والسنوات لتستقر في عمق الوجدان، ففي كل عام، ومع حلول العاشر من شهر محرم، تهتز قلوب ملايين البشر حول العالم، لا بحدث عابر، بل بذكرى تختزل أسمى معاني التضحية والفداء. إنه يوم عاشوراء؛ محطة تاريخية لا تزال أصداؤها تتردد في ضمير الإنسانية، تروي قصة بطولة فاقت حدود الزمان والمكان، وتجسد صراعاً أزلياً بين الحق والباطل. فما الذي يجعل من هذا اليوم مناسبة تتجدد معها الأحزان وتتجمع فيها الحشود الضخمة؟ وكيف استطاعت واقعة حدثت قبل قرون طويلة أن تظل حية ونابضة بالحياة في عالمنا المعاصر؟ هذا المقال سيبحر في عمق هذه الذكرى الخالدة، مستعرضاً أبعادها التاريخية، الدينية، والثقافية، وكاشفاً عن سر هذا الالتزام العظيم الذي يدفع الملايين لإحياء يوم العاشر من محرم بمسيرات تضج بالحياة والعبر.
تعود جذور إحياء يوم عاشوراء إلى حدث مفصلي ومؤلم وقع في صحراء كربلاء بالعراق. هناك، استشهد الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، برفقة عائلته الاطهار وأصحابه الابرار، في مواجهة ضد جيش الملعون يزيد بن معاوية. لم تكن هذه الواقعة مجرد نزاع على السلطة؛ بل كانت تجسيدًا حقيقيًا لصراع أعمق بين الحق والباطل، والعدل والظلم، وبرهاناً ساطعاً على التضحية المطلقة في سبيل المبادئ السامية.
المسيرات الضخمة: تعبير عن الوفاء والتضامن
تُعد المسيرات الضخمة التي تُقام في يوم عاشوراء أبرز مظاهر إحياء هذه الذكرى. تتجمع حشود غفيرة من الرجال والنساء والأطفال، مرتدين السواد تعبيراً عن الحزن، ليشاركوا في مواكب عزاء تجوب الشوارع. هذه المسيرات ليست مجرد تجمعات بشرية، بل هي تعبير عن الولاء العميق للإمام الحسين، وتجديد للعهد بمبادئه، وتضامن مع المظلومين في كل زمان ومكان.
إن قضية الإمام الحسين لم تكن محصورة في صراع سياسي أو قبلي، بل كانت ثورة على الظلم، ورفضاً للمساومة على المبادئ الأخلاقية والدينية. رسالة “هيهات منا الذلة” التي أطلقها الإمام الحسين تتجاوز الزمان والمكان، وتلامس كل إنسان يرفض الظلم والاضطهاد. هذه الرسالة العالمية هي ما يجعل الناس، بغض النظر عن خلفياتهم، يشعرون بالارتباط بهذه القضية.
استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه بتلك الطريقة المأساوية، وتقديمهم أقصى درجات التضحية من أجل إعلاء كلمة الحق، يترك أثراً عميقاً في الوجدان الإنساني. التضحية بالنفس والنفيس في سبيل المبادئ هي قمة البطولة، وهذا ما يجعل الذكرى محفورة في الأذهان والقلوب.
على مر القرون، تم تناقل قصة كربلاء من جيل إلى جيل، ليس فقط كقصة تاريخية، بل كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية. تربى الأجيال على حب الإمام الحسين ومبادئه، وتغرس فيهم قيم التضحية والإباء، مما يضمن استمرارية إحياء هذه الذكرى بكل زخمها.
ثورة الحسين نموذجاً للوقوف ضد الفساد والاستبداد، وهذا يجعل من عاشوراء مصدر إلهام للحركات المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمساواة في أنحاء مختلفة من العالم.
تمتد المسيرات الضخمة في يوم عاشوراء لتشمل العديد من الدول حول العالم، حيث يتواجد تجمعات كبيرة من المسلمين الشيعة. من أبرز هذه الدول:
يُعد العراق، وخصوصاً مدينتي كربلاء والنجف، المركز الرئيسي لإحياء يوم عاشوراء، حيث توافد الملايين من الزوار من داخل العراق وخارجه للمشاركة في المسيرات الضخمة التي تبلغ ذروتها في مدينة كربلاء المقدسة.
وفي لبنان، خرجت المسيرات الضخمة من بيروت باتجاه مدينة بعلبك حيث شهدت الطرقات المؤدية إلى المدينة ومداخلها ازدحامًا كبيرًا ما جعل الحشود تبقى ساعات طويلة على الطرقات. في مدينة الشمس التي تعد بتاريخها العريق ومكانتها الدينية مركزا حيويا لاحياء ذكرى عاشوراء لا يأبى اهلها الجوع والعطش والانتظار طويلا هذه المدينة التي تحولت شوارعها وساحاتها إلى منبر ضخم يصدح بآيات العزّاء ويروي فصول ملحمة كربلاء الخالدة، مجسّدةً بذلك عمق الارتباط الروحي والولاء الحسيني الذي يميز أبناء المنطقة. إن مشاركة بعلبك في هذه المسيرات ليست مجرد تجمّع بشري، بل هي تعبير عن هوية راسخة، وتجديد للعهد بقيم التضحية، الصمود، ورفض الظلم، التي شكّلت جوهر ثورة الإمام الحسين عليه السلام. تعكس هذه المسيرات تلاحمًا مجتمعيًا فريدًا، حيث تتضافر جهود الأهالي من مختلف الأعمار والخلفيات لإبراز هذا اليوم بما يليق به من جلال وخشوع، مؤكدين بذلك على استمرار رسالة كربلاء حيةً في القلوب والأذهان.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي المدن الجنوبية وغيرها من المناطق وتتسم بحضور شعبي واسع يعكس الارتباط العميق بهذه الذكرى. تُعرف هذه المسيرات بتنظيمها ودقتها، وتلقى اهتماماً إعلامياً واسعاً.
وعدد كبير من دول العالم التي قامت فيها مسيرات ضخمة عإيران والباكستان والبحرين والهند والولايات المتحدة وكندا والمانيا.
وهكذا، يبقى يوم العاشر من محرم أكثر من مجرد تاريخ في تقويم، إنه ذكرى حية تتجدد فيها القيم السامية وتتعمق فيها الروابط الإنسانية. فمنذ كربلاء قبل قرون، وحتى يومنا هذا، تستمر قصة الإمام الحسين في إلهام الملايين حول العالم، لتؤكد أن التضحية من أجل المبادئ لا تضيع سدى، وأن مقاومة الظلم هي رسالة خالدة تتوارثها الأجيال. إن المسيرات الضخمة التي تضج بها شوارع المدن في كل عام ليست مجرد طقوس، بل هي تجسيد حي لتجديد العهد بقيم الشجاعة والإباء، وتذكير بأن “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء”؛ أي أن مبادئ الثورة الحسينية حاضرة في كل زمان ومكان، تدعونا للوقوف مع الحق أينما كان، وضد الباطل مهما تجبر. في عاشوراء، يرى الموالون للإمام الحسين درساً في الإيثار، وصوتاً للعدالة، وصرخة ضد الظلم، مما يجعلها ذكرى لا تفنى بل تتأجج شعلتها عاماً بعد عام.
الاعلامية ليلى مروان الرفاعي
